تآكل معادلة الأمن القومي الإسرائيلي

تابعنا على:   10:35 2023-01-24

بكر نعالوة

أمد/ نظريا يمكن أن نتنبأ بتآكل معادلة الأمن القومي الإسرائيلي إذا إفترضنا أن تلك النظرية بنيت على التفوق العسكري ليس في المنطقة العربية فحسب بل و الإقليم .

وبطبع هذا ليس مجرد كلام إنشائي و شعارات تمارسها أقطاب المعارضة في شحن معسكرها كما يفعل هؤلاء الذين يزعمون أنهم محور المقاومة ، بل هناك مؤشرات زمنية واضحة نستطيع أن نتنبأ من خلالها بأن ذلك حدث و سيحدث بشكل أسرع مع تسارع الظروف الإقليمية و صراع الأقطاب العالمية .

بدأ ذلك من وجهة نظري مع سؤ تقدير من قبل الإدارة الأمريكية في الإنسحاب من الشرق الأوسط معتقدتا أن إسرائيل المتأزمة سياسيا و التي لا تستطيع إيجاد حل لجيرانها الفلسطينيين يمكن أن تشكل بروتوكولا إداريا عميقا يملىء الفراغ الأمريكي في المنطقة ويشبع رغبات العرب ضمنيا وهو ما لم يحدث ، ليس فقط لأن إسرائيل لا تستطيع بل أيضا لأن إدارة بايدن أسهمت في إنضاج رؤية عربية إستراتيجية في إدارة الأمن القومي العربي ذاتيا و أتاحت لنا الوصول الى أسواق سلاح متنوعة بعيدا عن الإرتهان لسوق السلاح الأمريكي و الفيتو الإسرائيلي .

فشلت إسرائيل في سوريا حينما اعتقدت أن اقصاء النظام السوري لكونه حليفا لإيران ممكن أن ينضج معادلة الأمن القومي الإسرائيلي بشكل أكبر و يسهم في تآكل قوة حزب الله، إلا أن النتائج جائت عكسية رغم تهاوي الجيش السوري الذي كان يمثل نقطة إنضباط آمنة للأمن القومي الإسرائيلي ليس لأنه يحمي الأمن الإسرائيلي بل لأن النظام السوري كان منضبطا و متمسكا بالحفاظ على الإستقرار .

كان النظام السوري رغم العلاقة التي يديرها مع حزب الله و إيران ينظم مسألة تسليح حزب الله و يحافظ على أن لا يتجاوز الخطوط الحمراء وهو ما لم يعد موجودا بعد فقدان النظام السوري سيطرته و قدرته على الرفض ، فتزود حزب الله بمعدات و تكنولوجيا عسكرية أكثر تطورا الى جانب تعزيز صفوفه بإستقطاب مقاتلين جدد ليس من لبنان فقط .

ولا يمكن إسقاط الوجود الروسي على حدود إسرائيل في سوريا من المعادلة و خصوصا بعد الحرب الأوكرانية الروسية التي غيرت في المعادلة و أثرت في العقلية الروسية التي أصبحت تصنف إسرائيل نسبيا ضمن المعسكر الغربي تبعا لمواقفها في الحرب الأوكرانية و تنظر الى إيران كحليف وشريك وخصوصا بعد زيارة بوتين الى إيران و عقد عدة إتفاقيات بين البلدين تم على إثرها تزويد روسيا بما تحتاجه من طائرات الدرون العسكرية .

و لا يمكن تجاهل التغيرات التي حدثت في مصر سواء على صعيد القوة العسكرية و قدرة الجيش المصري على تحديث عتاده و التعاقد على توطين التكنولوجيا العسكرية أو على صعيد حسم المشهد في سيناء بشكل مباشر و تجاوز فرضية الخطوط التي رسمتها إتفاقية كامب ديفد والتي جعلت من سيناء مرتعا لجماعات الإرهابية و تهديدا مباشرا يستنزف الأمن القومي المصري ، لكن ذلك و بنسبة كبيرة لم يعد موجودا مع سيطرة الجيش المصري و تحركه بشكل كامل داخل سيناء وهو ما يعد تحديا مستقبليا للأمن القومي الإسرائيلي الذي فقد السيطرة في التفوق العسكري حصريا والحفاظ على حيز جغرافي خارج سلطة الجيش .

أحداث القدس الأخيرة المتعلقة بالشيخ جراح كان يجب أن تترك إنطباع واضح لدى الإسرائيليين على وحدة المصير المشترك لكلا الشعبين الأردني و الفلسطيني و أن سياسة إدارة الظهر للحكومة الأردنية و الحفاظ على مستوى عال من الإستفزاز هو أيضا يمكن أن يسهم في توتير الأجواء أو إشعالها مستقبليا من جهة الأردن و خصوصا بأن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية سينعكس على ردة فعل الشعب الأردني رغم كل الجهود المبذولة من قبل الأردنين في ضبط النفس إلا أن ذلك قد لا يستمر طويلا .

ومع فشل الإتفاق النووي مع إيران و إبصار الخليج جيدا لمصالحه ورفضه أن يكون في حالة حرب مع إيران وابدائه موقف شبه صريح من تأسيس معادلة ردع إقليمي ليس فقط بالحفاظ على تكتل عسكري عربي متأهب بل و إمتلاك أسلحة نووية رادعة وهو ما ينهي وجود إسرائيل بوصفها القوة النووية الوحيدة في المنطقة مع ولادة قوتين على أقل تقدير هما إيران و السعودية .

وهنا لا بد أن نشير الى البصمة الصينية في المنطقة وما تركته من أثر بعد تقوقع العلاقات العربية الأمريكية و سخائها في عرض خدماتها العسكرية سواء في التزود بالعتاد العسكر دون قيد أو شرط أو تعاونها الكريم في توطين التكنولوجيا العسكرية و على رأسها الصواريخ الباليستية و الطاقة النووية وبتأكيد هو ما أنتجته حالة صراع الأقطاب  .